منهجية ابن خلدون في التعليم

يُعَدُّ العلامة عبد الرحمن بن خلدون (784-808هـ) واحدًا من بُناة الحضارة العربية الإسلامية حيث إنه صاحبُ رؤية حضارية في مجالات مختلفة وحقول للمعرفة متعددة لا سيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري، والمجتمع الإنساني، وأبواب النظر والتفكير، كما أنه صاحب رؤية منهجية حقيقية نلمسها في مجال التربية والتعليم .


إنّ الآباء يدفعون بثمرة قلوبهم، ومهجة نفوسهم إلى المعلمين من أجل اكتساب العلم وتحصيله، وتنشيط الذهن وتصقيله، فالعلم حقٌّ لابدّ من اقتناصه، ونور يُضئ الطريق للحيارى والتائهين، بل إنِّ " العلمَ حياة الحي في حياته، والجهل موت الحي في حياته، فإذا كان الجاهل ميتًا في حياته، فماذا يكون بعد مماته ؟ وإذا كان العلمُ حياة الحي في حياته فلاشك أنه حياة له بعد وفاته ".

ولا جرم فيما اعتقده البعض بأنّ نهضة الأمة مرهونة بشيء حيوي ، وهو صلاح التعليم، كقول بعضهم : " إن من الإطالة ولغو القول أنْ نحاول إثبات ما فرغ الناس من إثباته من أن كلّ نهضة قيمة رهينة بشيء واحد هو صلاح التعليم، فإذا احتاج الشرق العربي إلى شيء ليصل من نهضته إلى ما يريد فهو محتاج إلى تعليم صالح معتمد على قواعد صحيحة ملائمة لنفسيته وعاداته وآماله وأطواره المختلفة ". ولأجل هذا آثرنا تقديم هذه الإشارة كما بين أصولها ابن خلدون في مقدمته .

وقد قدم ابن خلدون للمتعلمين مجموعة من القواعد المنهجية, والأصول العلمية, والآليات التربوية للتعريف بطرق تحصيل العلوم, واقتناء الفنون المختلفة؛ وذلك مراعاة للأولويات وحفظا للأوقات من الضياع . ولا شك – في رأينا – أنَّ كلَّ طريق يفيد في اقتصاد الوقت يفيد في إحياء التمدن والحضارة .

ولعلّ من أهم هذه القواعد وتلك الضوابط التي يجب أنْ يراعيها المعلم تجاه المتعلمين ما يلي:

1- التدرج في تلقين العلوم .

يميلُ ابن خلدون إلى القول بأنّ تلقين العلوم وتحصيل الفنون للمتعلمين إنما يكون مفيدًا ونافعًا إذا كان على التدريج شيئًا فشيئًا, وهذا التدريجُ يتمثل في ثلاثة تكرارات, وهي:

* التكرار الأول : " أن يُلقي عليه – أولا – مسائل من كلِّ باب من الفن هي أصول ذلك الباب, ويُقرب له في شرحها على سبيل الإجمال, ويراعي في ذلك قوة عقله, واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن " .

 وهذا التكرار أشبه بما يسمى الآن بالعصف الذهني للدارسين، بمعنى آخر أنْ يسعى المعلمُ جاهدًا في تهيئة الطالب والمريد لفهم الفن, وتحصيل مسائله .

* التكرار الثاني : أنْ يعمد المعلم إلى رفع تلميذه عن الرتبة الأولى إلى ما هو أعلى منها, وأرفع درجة، فيستوفي " الشرح والبيان, ويخرج عن الإجمال, ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أنْ ينتهي إلى آخر الفن " .

* التكرار الثالث: في هذه المرحلة يرفعه درجة أعلى فأعلى, فيأتي به " وقد شدا فلا يترك عويصًا ولا مُبهمًا ولا مُغلقًا إلا وضحه, وفتح له مقفله, فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته ".

ولا يشترط ابن خلدون حصول هذه التكرارات الثلاث لكلِّ من أراد تحصيل العلم, وإنما " قد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يُخلق له ويتيسر عليه ".

وفي حقيقة الأمر يستنكر ابن خلدون بشدة ما يصنعه كثير من المعلمين والمربين – الذين يجهلون طرق التعليم ووجوه إفادته – من تلقين المُتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم, ويطالبونه- وكأنه حقُّ مشروع – بإحضار ذهنه في حلها, والاجتهاد في إدراكها ووعيها, وكأنهم يرون ذلك صوابًا ومرانًا على التعليم وتحصيله, لكنّ هذا الصنيع السيئ قد يسبب للمتلقي تكاسلا وانحرافًا عن قبول العلم, ومن ثَمّ يتمادى في هجرانه وتركه؛ وإنما أتى ذلك من سوء التعليم .  إذن لابد أنْ يسلك المعلم مع المتعلمين هذا المنهج التربوي الذي يُراعي التدريج في عرض العلم وتدريسه, حيث إنه يبدأ بالإجمال والتقريب، وضرب الأمثلة الحسية حتى يستوعب التلميذ أو المتعلم مسائل العلم وأبوابه, فتتم له ملكة راسخة في الاستعداد ثم في التحصيل, فيصير محيطًا بمسائل الفن مستوعبًا لمحتوياته جملة وتفصيلا. ونعتقد أنّ هذا المنهج التربوي يتفق مع الوصية التي أبداها أبو الحسن الماوردي(ت450هـ) لطلابه، وذلك في قوله: " واعلم أنّ للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها, ومداخل تُفضي إلى حقائقها, فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها, وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها, ولا يطلب الآخر قبل الأول, ولا الحقيقة قبل المدخل, فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة؛ لأنّ البناء على غير أس لا يبنى, والثمر من غير غرس لا يجني ".

2- مراعاة قدرات المتعلم وطاقاته .

ويمكن الإشارة إلى هذه القاعدة الّتي بيّن ملامحها، وأصل ضوابطها العلامةُ ابن خلدون في الأمور الآتية:

*أن يقتصر المتعلم في تدريسه – ابتداءً –على كتاب بعينه حتى يفهمه, ولا يخلط مسائل هذا الكتاب بغيرها حتّى يعيها جيدًا, ومن ثَمّ يُحصل أغراضه, ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره . ولعلَّ السبب في ذلك مرجعه إلى أنّ المتعلم " إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي, وحصل له نشاطٌ في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوقه, حتى يستولي على غايات العلم, وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم, وأدركه الكلال, وانطمس فكره, ويئس من التحصيل , وهجر العلم والتعل.

*ومن الواجب عليه - أيضًا - ألا يخلط عليه علمان معا ؛ لأنّ الانشغال بتحصيل علمين معًا، فيه تقسيم للبال, وكد للأذهان، كما أنه مدعاة إلى سعيه وانصرافه عن كلّ واحد منهما إلى تفهم الآخر, وتكونُ النتيجة أو المحصلة النهائية أنهما يستغلقان معًا ويستصعبان, ويعود المتعلم منهما بالخيبة, بيد أنه إذا جمع همته، وفرغ فكره لتحصيل فن واحدٍ مقتصرًا عليه، كان ذلك أجدرَ بتحصيله والانتفاع به.

3- التواصل والتتابع بين مجالس العلم.

يرشدنا ابن خلدون - بفطنة عودنا إياها- إلى ضرورة تواصل المعلم واستمراريته في عرض معلوماته وطروحاته للمتعلم في مجالس ومواضع متتالية متجنبًا هموم الأيام ومشاغل الحياة, فلا حاجة في التطويل بتفريق المجالس وتقطيع المسافات بينها؛ وذلك لأنه " ذريعة إلى النسيان, وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض, فيعسر حصول الملكة بتفريقها, وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكةُ أيسر حصولا, وأحكم ارتباطًا، وأقرب صبغة؛ لأنّ الملكات إنما تحصل بتتابع الفكر وتكراره, وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه ".

4- عدم الاستبداد في التأديب.

ينبغي على المعلم ألا يستبد في تأديب المتعلمين؛ وذلك لأنّ الشدة والقسوة على المتعلمين مضرة بهم, بل إنّ نتائج هذا الاستبداد وخيمة لدرجة كبيرة، وقد جسدها ابن خلدون في قوله: " ومَنْ كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر, وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها, ودعاه إلى الكسل وحُمل على الكذب, والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه, وعلمه المكر والخديعة لذلك, وصارتْ له هذه عادة وخلقًا, وفسدتْ معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن, وهي الحَمية والمدافعة عن نفسه ومنزله, وصار عيالا على غيره, بل وكسلت النفس من اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضتْ عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين ". ولعلّ هذا هو دأب العلماء مع المتعلمين, إذ إنَّ من آدابهم " ألا يُعنفوا متعلمًا, ولا يُحقروا ناشئًا, ولا يستصغروا مبتدئًا, فإنّ ذلك أدعى إليهم, وأعطف عليهم, وأحث على الرغبة فيما لديهم".

Google Ads

هذا الحساب تابع لمدونة مدون محترف وهو خاص بقوالب بلوجر التي نقوم بتعريبها

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة